أعوذ بالله من الشيطان والسياسة شعار رفعة كثيرون من الصالحين وابتعدوا عن ممارسة السياسة لأنها من وجهة نظرهم تجلب لهم المشاكل والمتاعب لهذا تجد الفارين
من عالمها أكثر من الذين يفكرون في دخولها ويركبون صعابها ويستعدون للفحاتها، أما الفاسدون والانتهازيون فأنهم يبقون في عالمها بقاء من يرغب في الخلود ، ولا يعتزلوها إلا وهم محمولون على الأكتاف، وبطبيعة الحال مع استثناءات نادرة للسياسيين في آخر العمر بعدما قد جنوا منها ما يغني أحفاد أحفادهم عن السؤال. ومع احترامي وأجلالي للبعض ممن يمتهنونها فلاشك أن السياسة في منظور العامة دنس من عمل الشيطان يدخلها اللصوص والأباطرة وكل وصولي، لهذا تجد الناس يبغضون كل ما يأتي منها ومن ورائها، لدرجة أنهم فقدوا الثقة في الجميع حتى لو زاولها ملاك، باعتبار أن ولوج العمل السياسي مفسدة للإنسان ، يدخلها ملاكا طاهرا بسيطا ويخرج منها ..... متجبرا ثريا. وقليلا بل مستحيلا ما يسمعون أن سياسيا له ديون ينفق على عمله في السياسة من أجل قضاء حوائج الناس وجلب الخير والوقوف لجانب الضعفاء لأنه يحب الخير للبشر والوطن ويؤخر متاع دنياه لآخرته. فهذا الطرح هم قلة من يفكرون في ولوج السياسة من أجله، وكثير ما هم في المقابل يفعلون الخير بغرض قطف ثمار السياسة. في نظري من يميز بين هذين النوعين من الأحزاب بشكل عام ومزاولين للسياسة بشكل خاص فقد ظفر جيدا بالمعنى الحقيقي للسياسة بل يمتلك وعيا يفوق أي وعي..! لأنه من استطاع أن يميز بين من يريد السياسة لأغراضه ومن يريدها لأغراض الناس، ليس بينه وبين المعرفة إلا الشعرة التي تفصل أحد الساسة عن الآخر، وهي نفس الشعرة التي تفصل بين التهور والشجاعة وبين المجاملة والنفاق. إنه من الصعب معرفة أناس صالحين يقفون على ثغر السياسة و الأصعب منه أن تجد أحدهم صمد لأكثر من مرحلة سياسية أخرى يذود عن مصالح الناس ويجري في قضاء حوائجهم. فالسياسة صعبة لكل من يزاولها بصعوبة البيئة التي يعمل فيها السياسيون وبصعوبة المرتزقين على بابها، وصعبة بصعوبة المفسدين المتحنطين داخل أسوارها وصعبة بصعوبة تخلي تيار...عن تكتلهم في خوض غمارها وتساقط الخيرين أمام إغراءاتها وفتنة كراسيها. العمل في السياسة كالماسك على الفسفور المحترق إما أن يتقمص زيها ويذوب في نارها ويحرق الناس بها، أو أن يصارعها من أجل إحقاق الحق والوقوف لجنب المظلوم فيحرق نفسه بها. فالسياسة عند الأتقياء كالجنة حفت بالمكاره وعند الوصوليين المفسدين كالنار حفت باللذائذ والشهوات. لأن قضاء حوائج الناس في الدنيا وتفريج الكرابات عنهم في هذه الحياة، لا مقارنة بينها أمام حياة الآخرة في قضاء حاجة من حوائج الآخرة وما أدراك الآخرة. لأن كلا من الأخيار والأشرار له منظوره في لبس رداء السياسة فمنهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة كلنا نعرف أن السياسة بوابة من أبواب التغيير الواسعة والسهلة، والتي بها تقضى حوائج الناس وبها كذلك تضيع الرقاب وتضيع بها الأرواح والأرزاق على السواء، بجرة قلم سياسي أو إمضاء أو هاتف يبدل الحال بالحال امرا بمكالمة هاتفية او , او . . . . فكل ما تقتضيه أنها أصل شؤون الحياة وأصل في قضاء المآرب إلا أن الحال الذي نحن عليه الان جعل تخوف ابناء الشعب من تبعات السياسة والتفكير بالتخلي وعدم الثقة عن اخيار هذا البلد جعل عُصبتهم تهزل أمام شوكة المفسدين ، ثم أنها ستفسح المجال للعابثين والمغرضين، وبأنسحاب المخلصون سوف يفسح المجال لتصدر بعض الخبثاء، لأن الواقع يفرض نفسه فلا فراغ في هذا الكون، فأذا لم يملأ المجال السياسي بالخير ملأه أصحاب الشر. وقد نفهم ابتعاد العلماء والمصلحين والثقاة من السياسة لسبب واحد أنها مسؤولية عظيمة يخشى هؤلاء تحملها ويخشون ظلم الناس و هذا هو الظلم بعينه حينما يغيب العلماء والأخيار عن السياسة فتترك للذين لا يتقون الله في الإنسان ولا في الحيوان فان خطأ عالم وفقيه في سياسة دولة خير بآلاف المرات من خطأ سارق ووصولي تعمد الخطأ والفساد بأشكاله مع سبق الإصرار ولعل تحمل الشعب تبعات الجهل والفقر والظلم ينبع من اختياراته المترهلة الغير صائبة التي تعبر عن مدى وعيه في رهن مستقبل أبنائه وأبناء أبنائه. فصعود مرتشي يرشي الناس لتقوم بانتخابة مسألة لا تغتفر، وما يشفع لهم سوى أنهم اختاروا لأنفسهم نوع العبودية ونوع الجلاد والفاسد بالكيفية التي يشاؤون ومن يختار هذا المسلك لا يستحق أن يتنفس ثانية هواء الحرية أو يحق له أدنى حق من حقوق الآدمية ، وهنا نقطة الفصل في تجاوز سؤال من يمارس السياسة ؟ إلى سؤال من يتحمل المسؤولية أهي القاعدة الشعبية أم المزاولون لها في صراع بين الخير والشر. وإن هذا ليقودنا لمسألة أساسها إن لم تمارس السياسة مورست عليك فمن يمارس السياسة خير أن تمارس عليه وإذا مورست على أحد ينحني لها مرة ويلتوي لها مرة، ومن فعل هذا عاد سياسيا محنكا مادام يحتفظ بأخلاقه ومبادئه التي لا يتخلى عنها.