قال عمرو ذو العشرة سنوات هذه العبارة ، وهو جالس تحت شجرة الجميز الضخمة ، وكانت تنشر ظلالها في المكان الذي يجلس فيه ، وقد أمسك كراسة الرسم بيدٍ وقلمه بيدٍ أخرى .. التزم الصمت فترة من الوقت وهو يلتف رأسه ثم إلى كراسه ليرسم حصانه الأسود العربي الأصيل ، وعندما بدأ أدهم يتحرك في المكان .. صاح مغاضباً..
ـ قلت اثبت في مكانك وإلا ستجعلني أعيد رسمك مرة أخرى .
امتثل الحصان لأمره ، وظل ثابتاً في مكانه لايتحرك ، وانشغل عمرو لفترة من الوقت في الرسم ، حتى انتهى من رسمه ، وعندها نهض من جلسته ، واقترب من حصانه أدهم ، وأخذ يربت على عنقه ويقرب منه لوحته وهو يصيح بمرح :
ـ انظر يا أدهم .. أليست تشبهك تماماً .
سمع صوت أمه تناديه وهي تطل برأسها من البيت الذي تحيطه مزرعة كبيرة ، كان والد عمرو يملكها ، مزروعة بالخضروات وبعض الفاكهة .. أيضا حظيرة للماشية ، وأخرى للدواجن .. صاحت الأم قائلة :
ـ هيا يا عمرو لتأتي معي أنا وأختك ميرنا ، لزيارة جدتك فهي مريضة ، وسنبيت الليلة معها .
نظر عمرو للحصان بحنان .. ثم التفت إلى أمه .. وصاح بها .
ـ لا سأبقي مع أدهم وانتظر أبي إلى أن يعود من عمله بالمدينة .
نظرت أمه إليه بقلق ، وكادت أن تعيد عليه الدعوة ، لكنها كانت تعرف مدى تعلق عمرو وشغفه بحصانه أدهم ، فاختفت داخل البيت فترة قليلة من الوقت ، وخرجت منه على صوت نفير السيارة القادمة ، كي تقلها وميرنا إلى مدينة المنصورة .
أقبلت على عمرو لتودعه وكان قد امتطى حصانه ، فانحنى برأسه لتقبله .. بينما اكتفت ميرنا بالصياح :
ـ إلى اللقاء ياعمرو .
لم يشعر عمرو بالوقت ، وهو يلهو مع أدهم تارة ، أو يتجول به تارة أخرى في أنحاء المزرعة .. حتى سمع صوت ضوضاء وأناس يتكلمون وهو في مكانه خلف البيت .. أستطاع أن يميز صوت رجل يقول :
ـ يبدو أنه أصيب بضربة شمس .
ثم صوت آخر يقول بقلق :
ـ كان يجب أن نذهب للطبيب قبل أن نحضر هنا .. فحالته ساءت بشكل كبير وغير متوقع .
هتف عمرو بالحصان وقد شعر بالخوف والقلق :
ـ هيا بسرعة يا أدهم لنلتف حول البيت ، لنعرف ما حدث .
كانت سيارة والده بالقرب من البيت ، وقد غادرها هو وبرفقته رجلين يستند عليهما ، وقد بدا عليه الإعياء والضعف الشديد .. ما أن رأى عمرو هذا المشهد ، حتى قفز من فوق حصانه ، وأخذ يصيح في لوعة :
ـ أبي .. أبي .. هل أنت مريض ؟
قال له أحد الرجلين :
ـ وعكة بسيطة يا عمرو ، وسيكون والدك بخير .
دخل الجميع إلى صالة البيت .. وتمدد والد عمرو على الأريكة ، رغم ضعفه إلا أنه تحامل على نفسه وقال للرجلين :
ـ أشكركما .. لقد أصبحت بخير .
نظر إليه نفس الرجل بشفقة ، وقال :
ـ أرجو ذلك .. ولكن أريد أن استدعي لك طبيباً كي أطمئن عليك .
قال والد عمرو :
ـ لاداع لذلك .. مجرد وعكة بسيطة كما قلت أنت .
استأذن الرجلان في الانصراف .. بينما وقف عمرو بجسمه النحيل يرقب والده بحيرة ، فهو لم يتعرض لموقف كهذا من قبل .. ثم بدأ الخوف يتسرب إلى نفسه عندما تبدلت ملامح والده وتلون وجهه بالحمرة الغامقة ، وأخذ جسمه ينتفض بقوة ويقول عبارات غير مفهومة .
فكر عمرو لبعض الوقت وهداه تفكيره أن يستعين بعامل المزرعة وزوجته .
خرج من البيت مسرعاً ، وأطلق صفيرا من فمه .. فأقبل عليه حصانه في الحال .. هتف به وهو يمتطيه :
ـ هيا إلى بيت عم ربيع بسرعة .
كان بيت العامل غير بعيد .. فقد كان على أطراف المزرعة ، لذا لم يستغرق الحصان إلا بعض دقائق حتى وصلا للمكان .. دق قلب عمرو سريعا .. عندما وجد باب البيت الصغير مغلقا ، ولم يجد أثرا لزوجة عم ربيع أو أولاده الصغار .. ثم فجأة تذكر أنهم قد سافروا إلى أهلهم بصعيد مصر كي يشاركوا أهلهم فرحة عيد الأضحى الذي اقترب ميعاده .
أخذ عمرو يدور حول نفسه ، وقد زاد خوفه .. فضوء النهار بدأ ينسحب خلف الأشجار .. ورأى الشمس تغوص في الأفق البعيد وتهبط من سمائها العالية .. أحس بحبات العرق وهي تلسع وجهه ، ثم تبلل شعره الناعم ، فتلتصق بجبينه .. اقترب من حصانه كي يستمد منه الشجاعة ، وكأنما أحس أدهم بخوفه فأخذ يلعق يده ويتشممه .. قال عمرو بأسى وقلق :
ـ هيا لنعود بسرعة لأبي .
عندما عاد للبيت وجد والده مازال في مكانه على الأريكة ، وقد ساءت حالته وراح في غيبوبة .. وهداه تفكيره أن يحضر العديد من الأغطية ليدثره بها .. مع ذلك كان والده ينتفض بين حين وآخر وهو يطلق صيحات الألم .
أخذ عمرو يدور في المكان ، كان يشعر بحيرة أخذت تزداد مع كل لحظة ، فقد كان يدرك أن الاتصالات مستحيلة في هذا المكان الذي لا توجد به شبكة هاتف محمول ، أو حتى تليفون عادي ، كي يستنجد بطبيب أو أمه أو حتى قريب .. تمكن منه الخوف عندما نظر من زجاج النافذة ، وصدمه ظلمة الليل وقد غاب عنه القمر .. كان كل شيء ساكن من حوله إلا صوت نقيق الضفادع وخربشة الحشرات الهائمة ، وصوت طيور تطلق صيحاتها من آن لآن فتثير في قلبه الفزع .
كان يحب والده حباً كبيراً .. فهو لم يحب أحد في تلك الحياة كما أحبه .. وفكر كيف ستكون الحياة من دونه ؟ .
انسابت الدموع من عينيه وهو يتصوره وقد اختفى بعيدا عنه .. بدأ يلتمس الشجاعة ، عندما تذكر مقولة والده له " يا بني الإنسان هو أقوى مخلوق في الكون .. لا تخف من أي كائن آخر .. فقط خاف من خالقنا العظيم .. عندها لن تخف من أي شيء بعده "
هتف عمرو ..
ـ نعم لن أخف إلا من الله .. لن أخف من الظلام .. لن أخف من مخلوق كان .. هكذا علمني أبي .
استجمع كل قوته وخرج مسرعاً من البيت ، وأطلق صفيره للمرة الثانية .. فسمع صوت صهيل أدهم وهو يقبل عليه .. فقد رآه في الضوء المتسرب من الباب المفتوح .. هبط السلالم القليلة وامتطى حصانه وهو يقول له :
ـ سوف نذهب لبيت الطبيب بالقرية المجاورة .. هيا يا أدهم انطلق .
رغم الظلمة التي كانت تلف الطريق الموازي للترعة .. إلا أن أدهم انطلق بسرعة ، وكان يعرف طريقه جيدا .. مع كل لحظة كانت تمر ، كان عمرو يشعر بقوة وبشجاعة استمدها من حصانه الأصيل أدهم ، وهو يتخطى الحفر قفزا ، ويطلق صهيله المتواصل .. كان يعرف أنه يخاطبه ويقول له :
ـ لا تخف يا عمرو .. إنني أيضا لا أخاف شيئا إلا الله .
وصلا الى بيت الطبيب .. فترجل عمرو عن حصانه ، وأخذ ينادي :
ـ دكتور إبراهيم .. دكتور إبراهيم .
أطل الطبيب برأسه من إحدى النوافذ .. فصاح عمرو :
ـ أبي مريض يا دكتور .. أرجوك انقذه بسرعة .
بعد دقائق أصبح خارج منزله ومعه حقيبته الطبية .. كان الطبيب صديق والده ، وعلى علاقة طيبة بالأسرة .. لذا قال :
ـ اركب معي السيارة ، وأدهم سيعرف طريق العودة وحده .
توقفت السيارة أمام البيت ، وتقدم الطبيب إلى داخل البيت ، ووجد والد عمرو متدثراً بالأغطية ، فرفعها عنه وأخذ في فحصه بعناية .. ثم حقنه بعقار .. وطلب من عمرو إحضار ماء بارد وشراشف ، ليقوم بعمل كمادات ليخفض حرارة مريضه .
لبث الطبيب مع مريضه طيلة الليل ، ومع بداية الصباح استفاق من غيبوبته ، وبدأت الحمى في التراجع .. عندما فتح عيناه ، أخذ ينظر حوله في دهشة ، فقد مرت عليه الأحداث ولم يدرك ما حدث بعد أن شعر بصداع وضعف يسري في بدنه بالأمس .. شد الطبيب على يده قائلا :
ـ حمداً على سلامتك .
أشار إلى عمرو الذي استغرق في النوم على الأريكة المقابلة :
ـ إنه صبي شجاع .. لقد أنقذك من الموت يا صديقي .
ابتسم والد عمرو ، وقال بصوت ضعيف :
ـ حقا إنه شجاع .
عندما استيقظ عمرو من نومه ، وجد نفسه محاطاً بوالدته وأخته ميرنا ، ووالده الذي بدا عليه أثر المرض ، لكنه كان قد تخطى مرحلة الخطر .
في اليوم التالي ناداه والده ، فأقبل عليه .. قال له .. لقد وعدتك بأن ألبي طلبك ، والآن حان الوقت لأوفي بوعدي .
قفز عمرو سعيدا وهو يصيح :
ـ حقا يا أبي :
أعطاه والده حامل الرسم ولوح الرسم وألوان ،كي يمارس هوايته المحببة .
قبل عمرو والده وأخذ يشكره ، ثم أسرع ومعه هديته ليشاركه حصانه فرحته ، ويرسم له لوح جديدة ملونة .

