السبت، 28 مارس 2009

اقوال مبدعين

كان جمال عبدالناصر ديكتاتورًا ولكنه لم يكن فاسدًا. عاش ومات في نفس البيت الذي كان يعيش فيه قبل الثورة، وظل هو وزوجته، طوال حياتهما، بسيطي الملبس والمأكل دون أي مظهر من مظاهر البذخ، وماتا دون أن تعرف لهما ثروة تذكر، وقد باءت بالفشل الذريع المحاولات القليلة التي بذلت بعد وفاة عبدالناصر لإثبات أنه ترك حسابًا في أحد البنوك في خارج مصر.
كان لابد أن ينعكس هذا في تصرفات الرجال المحيطين مباشرة به، إذ لم يكن عبد الناصر يتصور أو يقبل أن يثري أحد رجاله علي حساب المال العام، ومن ثم كبح جماح هؤلاء الرجال مجرد الخوف من الرئيس، إذ لم يكن لديهم مثل ما لديه من القدرة علي مقاومة إغراء المال. حكي لي أحد أصدقائي في ١٩٥٩، وكان يعمل في سفارة مصر في روما، أنه خرج لمرافقة السادات في التفرج علي روما ومحلاتها، فأعجبت السادات جاكتة خضراء فاقعة اللون، وكان يريد شراءها ثم أحجم قائلاً جملة لا أستطيع تكرارها هنا، وتتضمن ما يمكن أن يقوله له عبدالناصر لو رآه مرتديا هذه الجاكتة.
كما يحكي صلاح الشاهد في كتابه (ذكريات بين عهدين) قصصًا تؤكد رفض عبدالناصر البات أن يتمتع أولاده بسلع كهربائية مستوردة كانت ممنوعة علي سائر المصريين، وخوف أولاده أن يحصلوا علي هذه السلع تجنبًا لغضبه. كما يرسم فتحي رضوان في كتاب (٧٢ شهرًا مع عبد الناصر) صورة واضحة تمام الوضوح لشخصية عبدالناصر لا مكان فيها قط للضعف أمام المال وإغراءات الحياة الرغدة.
ولقد ساد حياة الطبقة المتوسطة بالفعل، في أيام عبدالناصر، تقشف مدهش لابد أن يثير العجب وعدم التصديق لدي كل من لم يعش في مصر في تلك الأيام. المحال التجارية لا تكاد تبيع إلا منتجات مصرية، سواء في ذلك الملابس أو المأكولات أو قطع الأثاث... إلخ، والسيارات في الشوارع تكاد تقتصر علي ماركة واحدة (سيارة نصر التي تم تجميعها في مصر)، والثلاجات والمطابخ تكاد تقتصر علي منتجات مصانع إيديال المصرية.
فإذا استطاع مصري أتيح له لسبب أو آخر السفر إلي الخارج، في وظيفة أو في بعثة دراسية، أن يعود إلي مصر ومعه ثلاجة أمريكية أو غسالة ألمانية، واستطاع أن يدفع الرسوم الجمركية الباهظة المفروضة علي مثل هذه الأشياء، فهو في نظر زملائه وجيرانه أعجوبة زمانه ومعجزة عصره، بل لعل مثل هذا كان يثير الخجل أكثر مما كان يثير الزهو، في وسط ذلك التقشف الشامل الذي يلتزمه الجميع.
بسبب هذا التقشف العام كانت أقل واقعة فساد تستلفت النظر ويكثر عنها الحديث، وهي في الحقيقة قد لا تزيد علي دخول مسؤول كبير بنجفة كريستال دون أن يدفع عليها رسوم الجمارك، أو قيام مدير الجمعية التعاونية الاستهلاكية بتوصيل بضع دجاجات إلي منزل مسؤول كبير فلا يضطر لإرسال من يقف كغيره في الطابور، ويحصل علي العدد المحدد من الدجاج المسموح به... إلخ. كان مثل هذه الأعمال يعتبر في الستينيات «أمثلة فظيعة علي الفساد»، مما يدل في الواقع علي ضآلة حجم الفساد في ذلك العهد.
لا يمكن تفسير ذلك بمجرد أن رئيس الجمهورية كان «قدوة طيبة»، بل كان المناخ العام مساعدًا تمامًا علي تقليل الفساد وعلي احترام القانون. لقد عرفت مصر شخصيات عامة مهمة سلكت سلوكًا مختلفًا تمام الاختلاف في ظل عبدالناصر، عن سلوكها بعد وفاته، من حيث الانضباط واحترام القانون، كأنور السادات نفسه، أو كثير من المسؤولين عن القطاع العام الذين كانوا حريصين علي الصالح العام في الستينيات ثم خضعوا لإغراءات الانفتاح والخصخصة بعد ذلك. قد يقال إن هذا التغير يرجع إلي وجود عبدالناصر رئيسًا ثم غيابه، ولكني أميل إلي تفسير هذا التغير بتغير المناخ العام الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك تغير المناخ الدولي العام.