الأحد، 2 أغسطس 2009

هل انت وطنى

هل انت وطنى


الوطنية بمعناها العام والشامل تعنى وجود مواطن محب لوطنه حريص على البقاء فيه والانتماء إليه وعدم التفكير في الإساءة له ماديا أو معنويا مهما بلغت ظروف العيش داخل الوطن من الحدة والقسوة، كما يتطلب وجود الحس الوطني عند فرق النخبة الالتزام بمنهج السلطة الحاكمة وتنفيذ أوامرها دونما نقاش كما هو الحال في التلقين طويل الأمد للأيدلوجيات الليبرالية واليسارية والقومية التي تحكمت في صياغة وبلورة المشهدين الثقافي والسياسي ردحا طويلا من الزمان واحتكرت لنفسها حق تعريف الوطنية مثلما احتكرت لنفسها ما درجت على تسميته بالحكم الوطني أو المعارضة الوطنية. فيما انفردت جماعات فكرية أخرى بتبني مبدأ مناهضا لفكرة الوطنية إلى الحد الذي توسم فيه الوطنية عند أشدهم ولوغا بالتطرف الاممي على أنها أي الوطنية مجرد وعاء للوثنية بالرغم من أن العديد من أصحاب هذه النظريات اخذ على نفسه مراجعة فلسفاته السابقة وتكييف ما برهن الواقع على مجافاته لحقائق الأشياء ومنها هذا الفهم المغلوط لمعنى ودلالات الوطنية. وبين خضم التعاريف السابقة والتجارب الوطنية بشقيها الحاكمة والمحكومة انقسم الشارع المحلي إلى تيارات عديدة انتهى الحال بأكثرها إلى تصور الوطنية على أنها سوق رائج للمزايدات واستهلاك الشعارات التي لاتُسمن ولا تغني عن جوع، وأصبح الفرد بوجه عام غير مكترث بفكرة الوطنية وناقم حتى على الوطن الذي تُنسب إليه هذه اللفظة كما بات تفكير الغالبية العظمى هو التفكير الجدي بعدم جدوائية البقاء في وطن ليس فيه للمواطن من قيمة تذكر سوى ما يقدمه من خدمة إجبارية لهذا الوطن المختزل برغبات ونزوات من رفعوا لافتة الحكومة الوطنية هذه الرغبات والنزوات التي تقاطعت تاريخيا وفي معظمها مع رغبات الفرد البسيط والذي لم يُصبح مواطنا بعد،إذ أن المواطنة حق لم ينله على مدى الأيام إلا القابضون على زمام الحكم والثروات وهؤلاء لا يمثلون نسبة معتدا بها من سكان مصر. ولكن ما الذي أسس لشعور الكراهية في أعماق قسم من المجتمع المصرى ضد المكان الذي ولدوا وعاشوا وما يزالون يعيشون فيه باستثناء غلبة الطابع القمعي والدكتاتوري على حياتهم السياسية والذي أنتج بدوره شعورا شعبيا عاما بالغبن وولّد ردات فعل ضد الدولة بوصفها كيانا سياسيا وإداريا غاشما، هل إن المصريون يحملون في جيناتهم الوراثية نزوعا جماعيا يحملهم على كراهية الوطن أم أن هناك عوامل مكتسبة هي التي تقف وراء هذه الحالة الشاذة في سلوك هذه الجماعة البشرية ويدعوها إلى ممارسة أعمال الارهاب والفساد والسلب والنهب والتجاوز على ممتلكات الدولة ومنها ما يعود إلى أفراد عاديين كلما سنحت لها الظروف التاريخية مزاولة عمل من هذا القبيل؟. إن الوطنية هي المولود الطبيعي لمشاعر المحبة والثقة المتبادلة بين الناس لا الكراهية والنفور من الآخر المختلف أيدلوجيا ومصلحيا، يقول المشتغلون في علم النفس السياسي في هذا الصدد إن قيم العدالة الاجتماعية تفترض الالتزام بمصالح الآخرين فإذا كان هؤلاء الآخرون ليسوا محل ثقة فان الالتزام بمصالحهم سيغدو ضربا من الخيال إن لم نقل الجنون وبالتالي انتفت ثقافة الوطنية في دولة يختزن شعبها لمشاعر العداوة بعضها ضد البعض الآخر ولو رجعنا إلى تقصي جذور انعدام الثقة بين أطراف ومكونات الشعب على وجه التحديد لأمكننا بقليل من التأمل استقصاء عدة عوامل تصلح لتفسير انتفاء ظاهرة الثقة بين المصريين تجاة طبيعة النظام السياسي المتسلط من حيث المرتبة والقوة والتأثير ويأتى في مقدمة ذلك ما تركة الاستعمار من فرز الطبقة الحاكمة وفرض الصيغ التي لاتراعي مصلحة الغالبية من افراد الشعب وترسيم الحدود الخارجية وتشتت المعارضة السياسية وتعدد ولاءاتها الفكرية وتصارعها على المصالح والنفوذ بخلاف النظرة الاجتماعية المتدنية للديمقراطية واحترام القانون وايضا النظرة الاجتماعية المتدنية للعمل يقول بعض علماء النفس السياسي إن الناس يرفعون من أهمية القيم التي يمكن الوصول إليها بيسر ويخفضون من أهمية القيم التي يرون أن الطريق إليها مسدود، ومن اجل فتح الطريق أمام قيمة حب الوطن التي هي الأساس في تشييد مفهوم الوطنية بمعناه الايجابي والمتداول بين الشعوب المتحضرة لابد من التركيز على ايجاد حلول ناجحة لماذكرناها آنفا بحيث يُصار إلى: ان تحول لغة الشعارات إلى مواد وفقرات قانونية ملزمة لجميع المواطنين وتعمل بصورة فاعلة وملموسة على صيانة مبادئ المساواة الواردة في الدستور بصرف النظر عن الاختلافات الجانبية و ان تحفظ الدولة لاسيما الاجهزة التنفيذية كرامة المواطنين ماديا ومعنويا وان تستبدل علاقة الخوف من النظام بقاعدة الاحترام لا على طريقة (احترم تُحترم) سيئة التطبيق و ان تفتح الأبواب مشرعة أمام مشاركة الأكفأ من بينهم في صنع القرارات السياسية والإدارية والاقتصادية و ان تتبنى الدولة مسؤولية إيجاد آليات من شانها ترسيخ ثقافة الوطنية وتعزيز قيم التسامح وتقبل الآخر المختلف فكريا وان يركز المسئولون في الدولة على تقديم صورة في السلوك جديرة بالاحتذاء من قبل المستويات الدنيا وان تجتهد مؤسسات الدولة خاصة الإعلامية منها على الإعلاء من قيم العمل والتعاون وتغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة.