لم تكن غزة أولي المذابح، ولن تكون لآخرها.. فمذبحتها هي قربان علي طريق طويل من التضحيات معبد بالدم.. طريق اتخمته جماجم الشهداء، ودماء الجرحي وحفته صرخات الثكالي، وآلام المعذبين، وآهات الأسري، والمبعدين، وتضحيات اللاجئين والمشردين في أنحاء الدنيا.وبقدر الفاجعة علي أرواح أزهقت، ونفوس تحطمت، وقلوب بعثرتها الجراح.. بقدر ما وطنت في التربة التي تشربت بالدماء هالات ضوء قادم علي يد جيل الغضب تتشكل ملامحه فوق خارطة الموت الطائر علي أجنحة دمار صنعته عقول الشر، وأيادي التواطؤ وخذلان الصامتين.قلوب تتحطم، وآهات تملأ الكون، ودموع تغرق حواري غزة وأزقتها.. ذهب الابن، استشهد الأب، تمزقت الأم.. الأطفال استبدلوا كوب الحليب ب'أكياس الدم' آلاف.. آلاف المعذبين عند المعابر، وفوق الطرقات.. حاصرهم الموت والجوع والظمأ.. ومن بين كل المآسي يتفجر جيل الغضب.جيل لن يركع لظلم بات يحاصره من كل اتجاه.. من الأخ والشقيق قبل العدو والغريب.. من وعود رفعها قادة العرب في مؤتمرات لاهية واجتماعات باهتة.. لم تثمر سوي كئوس من المر، يتجرعها شعب فلسطين الأعزل منذ حلت به النكبة الغادرة في العام ٨٤٩١.هذا عصر تزييف الحقائق، وقلب الوقائع.. كتبةى تمرسوا علي الغوص في دماء الضحايا.. امتلكوا من فحش القول ما لم يسبقهم إليه أحد، وكأن قلوبهم قد تحجرت فلم تعد تحركها صرخات الأبرياء أطفالا ونساء وشيوخا، وكأن مدادهم 'سم زعاف' يخطونه علي أوراقهم الباهتة ليصوغوا بأدواتهم الركيكة وأساليبهم المقيتة صورة مقلوبة، تشجع العدو علي مواصلة مجزرته علي الأهل والأحبة.هي نقطة فاصلة، ومرحلة أليمة، وحالة غريبة.. يدين فيها الصمت، ويرتفع فيها الباطل.. بحر العدوان يتسع، والألم يتغول في القلوب والنفوس.. فقد أصبح الذل منهاجا لمن ارتضوا لأنفسهم أن يلعبوا دور 'المحلل' لأبشع المذابح في العصر.سيذهب كل هذا، كما ذهبت 'دير ياسين، وكفر قاسم، وبحر البقر،و وصبرا وشاتيلا، وقانا' وغيرها كثر.. وستبقي غزة، وأهلها.. فغدا تعود الحياة من جديد.. غدا يتساقط المعتدون.. غدا يزول الطغاة والمتآمرون ويبقي أصحاب الأرض الحقيقيون.. قابضين علي أرضهم ووطنهم.. ففيها ولدوا وعلي أرضها سيبعثون.. إنها إرادة الله.. الأقوي من كل الإرادات.
26 / 12 / 2008
تجليات الأقدار
في مسار الحياة تتجلي أحكام القدر .. وترتسم صوره فوق أخدودها .. قد تأخذنا اندفاعاتها في اتجاهات شتي، فنعيش وقع لحظات صعودها، وهبوطها، وتحولاتها الصارخة .. ومنحنياتها المفاجئة.. وقد رسمت لنا الأقدار أحد تجلياتها مؤخرا، في واحدة من صورها البليغة التي تشي بعمق الدلالات، والمعاني التي تكشف أنبل ما في معدن الإنسان من سلوكيات مثل ملايين المصريين.
20 / 12 / 2008
جزاء بوش
وقعت الواقعة، وتلقي المجرم بوش الجزاء الذي يستحقه.. ومن فوق أرض العراق التي طالما ادعي أنها اصبحت أكثر أمنا بفعل جيوشه التي غزت بلدا عربيا وأعملت فيه القتل والموت والخراب دون مبرر واحد.. هكذا دخل بوش التاريخ، ولكن من باب الضرب بالجزمة، والرشق بالبلغة، والتشييع باللعنات والصفات التي نالها عن جدارة واستحقاق، وتحول 'الفتوة' بفعل قذفه بالاحذية إلي 'أضحوكة' ومثار للتريقة، واطلاق النكات عليه بعد ان أصبح بسجله المتخم بالمهازل نموذجا للفشل، وعنوانا علي 'البلاهة السياسية' التي حكم بها أقوي دولة في العالم، فحولها إلي 'أداة للشر'، ومحط كراهية الشعوب جمعاء، وهوي بها في أخريات أيامه الي انهيار مالي ضرب اقتصادياتها والعالم معها.الصحفي 'منتظر الزيدي' الذي نفذ العملية الفدائية لقذف بوش بالاحذية قام بمهمته الجسورة ليبرهن علي أن الشعب العربي من محيطه الي خليجه ضاق ذرعا بأكاذيب بوش، وجرائمه هو وعصابته.. ووجد أن خير وسيلة يعبر بها عن كل مواجعنا هي في 'فضحه علي الهواء' مباشرة، وفي حضرة أركان الحكومة العميلة، وعلي رأسها نوري المالكي المعين من قبل الاحتلال، وبين حراسه الشخصيين الذين فشلوا في حمايته من القذف بالكندرة.اختار 'الزيدي' أن يعبر عن آلام العراقيين، وأن يثأر لبني شعبه، للشهداء، والمعذبين، للضحايا، والمعتقلين لمن تلذذ الجلادون بقمعهم في 'أبي غريب' وكل سجون الاحتلال، وأراد أن يقول لبوش 'القاتل والكذاب' إننا نودعك بطريقتنا، ونقدم لك هدية نهاية خدمتك 'علقة بالجزم' علي مرأي ومسمع من الدنيا كلها.أصبحت الجزمة العراقية من الآن فصاعدا 'ماركة مسجلة' .. تضمها صفحات التاريخ، وترصدها سجلات الأحداث العالمية، وتحتويها فهارس أمهات الكتب، فقد أصبحت مؤشرا عن حالة شعب تعرض لدمار بلده، وخراب مؤسساته، وتقتيل أبنائه، وتهجيرهم عنوة من بلادهم.. شعب رفض الخنوع أو الاستسلام، وتصدي ببسالة غير معهودة للمحتل وعملائه، ووقف يذود عن كرامة وكبرياء موطنه حتي خرج من بين صفوفه صحفي شاب يبلغ الثامنة والعشرين من عمره لينفذ عمليته البطولية والجريئة التي حقق بها نصرا معنويا.. ليس علي بوش فحسب، بل علي كل قوات الاحتلال، والعملاء.ما أعجب ضربات القدر.. الرئيس صدام حسين الذي أرادوا له نهاية مخزية استشهد شهادة العظماء والنبلاء يوم اغتالوه وأعدموه.. وبوش الذي طالما فاخر ببطولاته وغزواته للعراق يغادر منصبه مشيعا بالأحذية ليعيش ما تبقي له في الحياة مكللا بالخزي والعار، وليصنفه التاريخ كأول رئيس أمريكي يضرب بالحذاء.